التخطي إلى المحتوى
عواصم مصر.. صان الحجر طيبة الشمال صاحبة المقابر المكتملة بالكنوز (الحلقة الثانية)

تعد الحضارة المصرية من أقدم حضارات العالم، وعرفت الحياة المنظمة اجتماعيًا وسياسيًا مبكرًا للغاية، منذ ما يقرب من 6000 عام، وقد يزيد، ولا زالت الاكتشافات تُظهر لنا المبهر فيما يتعلق بالحياة التنظيمية في مصر، وتعتبر العاصمة علامة اكتمال ونمو النظام السياسي، وعبر سلسلة من الموضوعات يحدثنا الدكتور حسين عبدالبصير، مدير عام متحف آثار مكتبة الإسكندرية، في الحلقة الثانية عن عاصمة من عواصم مصر وهي تانيس، أو صان الحجر.

وقال عبدالبصير، في تصريحات إلى لفجر، إن ثمة شعور بالرهبة والإحساس بالجلال والعظمة ينتابك وأنت تقترب من تانيس، ويداخلك شعور عندما تلوح لك معالمها أنك تدنو من محراب التاريخ، وأنك سوف تشاهد آثار كُتب لها الخلود، وسوف تعيش بين رحاب وجنبات عصر قديم وستنفصل تمامًا عن أحداث ووقائع الحياة اليومية المعيشة في مصر المعاصرة.

الأكثر أهمية في دلتا مصر

وأضاف عبد البصير، تُعد تانيس أو صان الحجر، الموقع الأثري الأكثر أهمية في شمال شرق الدلتا، وهي عاصمة الإقليم الـ 19 من أقاليم مصر السفلى في العصر المتأخر “747 -332 ق.م.”، وتقع في مركز الحسينية في محافظة الشرقية، وتبعد عن مدينة القاهرة حوالي مائتي وخمسين كيلو مترًا.

ذكرت في النصوص القديمة والكتب المقدسة

وذُكرت تانيس في النصوص المصرية القديمة باسم “جعنت” وتعني “المدينة التي بُنيت في الأرض الخلاء”، كما ورد ذكرها في التوراة باسم “صون”، أما اسم “تانيس” فقد أطلقه عليها الإغريق نسبة إلى الفرع التانيسي، أحد أفرع نهر النيل السبعة القديمة، بينما أطلق عليها العرب عليها اسم “صان” تحريفًا عن الأصل المصري القديم، ونظرًا لكثرة الأحجار بها أضافوا إليها كلمة الحجر، فأصبح يطلق عليها اسم “صان الحجر” إلى الآن. 

وأشار عبدالبصير إلى أن تانيس تعتبر من أهم المواقع الأثرية في الأرض المصرية، وبرزت أهميتها مع نهاية عصر الدولة الحديثة وبداية عصر الانتقال الثالث؛ نظرًا لاتخاذها عاصمة لمصر في عصر الأسرتين الحادية والثانية والعشرين المضمحلتين سياسيًا والغنيتين أثاريًا وتاريخيًا.

اكتشاف مقابر كاملة في تانيس

أوضح عبد البصير أن عدد من الأثريين قاموا بحفائر في تانيس أمثال أوجست مارييت بين الأعوام 1860-1880م، ووليام فلندرز بترى بين الأعوام 1883-1886م، وبيير مونتييه بين الأعوام 1921-1951م.

وتابع عبدالبصير، أنه في عام 1939م، كانت لحظة عظيمة الأهمية تنتظر مصر حيث اكتشف الأثري الفرنسي “بيير مونتييه” مقابر جبانة عصر الانتقال الثالث الملكية الغنية، من الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين (1040 -783 ق.م.) في تانيس، حيث اكتشف بها عدد من الآثار الساحرة لتلك المدينة التي كللها المجد والعظمة في مصر القديمة، من خلال حفائر مونتييه (1939-1946م).

الحرب العالمية الثانية أضاعت عظمة الكشف

وأضاف عبد البصير، أثر نشوب الحرب العالمية الثانية (1945-1939م) في توقيت الاكتشاف بالسلب على نتائج الحفائر، فالحدث السياسي بتبعاته الحربية صم الآذان عن اكتشافات تانيس المذهلة، وجعل اكتشافاته المهمة لا تحظي بمكانتها الإعلامية التي كانت تستحقها آنذاك.

مقبرة أوسركون الثاني 

وتابع المكتشفون الفرنسيون لم يدخلا المقبرة الأولى من مدخلها الأصلي، وإنما من السقف، وبُنيت حجرة الدفن من كتل الحجر الجيري والجرانيت الوردي، وزُينت الجدران بنقوش من “كتاب الموتى” و”كتاب الليل”، وهما من الكتب الدينية المهمة في مصر القديمة، واحتفظت مقبرة الملك أوسركون الثاني بكل كنوزها الفاتنة من الحلي الذهبية والتمائم والأواني الذهبية والفضية.

مقبرة بسوسنس وشاشانق الثاني

وأشار عبد البصير إلى أن المقبرة الثانية دخلها المكتشفون من السقف أيضًا، في يوم 17 مارس 1939م، الذي أطلق عليه اسم “يوم العجائب المثيرة لألف ليلة وليلة”، ومن خلال النقوش الملونة ثبت أن المقبرة تخص الملك بسوسنس الأول (1034 -981 ق.م.) – المقبرة رقم “3” في تانيس- ووجد نفسه محاطًا بأكوام رأسية من الأثاث الجنائزي، كما ضمت المقبرة أيضًا دفنة الملك شاشانق الثاني (895-؟ ق.م.) محاطًا بجسديّ الملكين سي آمون (948-968 ق.م.) وبسوسنس الثاني (940-945 ق.م.).

ووصل المستكشفون إلى حجرة دفن الملك بسوسنس الأول التي لم تُمس، فوجد بها الأواني الكانوبية وأشكال الأوشابتي والأواني الذهبية والفضية والتابوت الذي أخذ من دفنة الملك مرنبتاح (1201-1212 ق.م.) – ابن الملك رمسيس الثاني- من مقبرته في وادي الملوك. 

وكانت الحجرة الأخرى التي على الجانب الآخر مخصصة في الأصل لدفن أم الملك بسوسنس الأول، الملكة موت نجمت، واحتوت الدفنة الغنية للملك آمون إم أوبت (974-984 ق.م). 

دفنات لقادة عسكريين

وما تزال المفاجآت تذهل مونتييه وبعثته من الأثريين، فوجد حجرة أخرى احتوت تابوتًا فارغًا للقائد عنخ إف إن موت، ثم أكمل العمل في 13 فبراير 1946م، الأثرى الفرنسي ألكسندر ليزين في الدفنة التي لم تُمس لقائد عسكري آخر، هو “ونج باو إن جدت” وكانت قليلة الحلي والأثاث الجنائزي. 

وأضاف عبدالبصير، أنه منذ ذلك الحين وتانيس لفتت أنظار العالم بآثارها الرائعة والجميلة والكثيرة المستخرجة من مقابرها حتى أن هناك قاعة كاملة خُصصت لروائع تانيس بالمتحف المصري بالقاهرة لا تقل روعة وجمالًا بأي حال من الأحوال عن آثار مقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون المحفوظة بنفس المتحف.

كنوز تانيس

وأشار إلى أن من بين تلك الآثار، يجد المرء العديد من التوابيت والمصنوعات الذهبية والحلى والمشغولات من اللازورد والأحجار الكريمة مثل الأقنعة الجنائزية الخاصة بعدد من ملوك تلك الفترة مثل القناع الذهبي الأشهر للملك بسوسنس الأول. فزيارة واحدة للمتحف المصري بالقاهرة أو لمدينة صان الحجر نفسها كفيلة بأن تجعل المرء يرجع بالزمن إلى الوراء آلاف السنين ليعيش بين مجد وكنوز مدينة تانيس الذهبية.

تانيس = الأقصر فهي طيبة الشمال

وتابع أن الحفائر الأثرية في تانيس استمرت لتثير المزيد من الدهشة، فقد كشف الأثري الفرنسي فيليب بريسو منذ فترة موقع البحيرة المقدسة الخاصة بمعبد الإلهة موت (زوجة الإله آمون وأم الإله خونسو اللذين يشكلان مع الإله آمون ثالوث مدينة تانيس المماثل لثالوث مدينة طيبة “الأقصر الحالية”؛ مما جعل من تانيس بمثابة طيبة الشمالية) في حالة جيدة على مبعدة حوالي 12 م من سطح الأرض. 

وبلغت مساحة البحيرة 12 م عرضًا و15 م طولًا وحُددت بأحجار ملونة من الحجر الجيري، وهذه هي البحيرة الثانية التي تكتشف بتانيس بعد البحيرة المقدسة الخاصة بمعبد الإله آمون (المعبود الرئيس للمدينة) في عام 1928 واكتشفت في ما بعد مقابر الملوك بالقرب منه. 

وتساءل عبد البصير، هل تخرج لنا حفائر المواسم القادمة مقابر الملكات بالقرب من المعبودة موت وفي رحاب معبدها، كما حدث مع الملوك والمعبود آمون ومعبده من قبل؟ نأمل ذلك حتى تعود تانيس وآثارها الرائعة إلى أذهان العالم أجمع مرة أخرى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *