أحلام كبرى فجرتها «أبولو 11».. الخطوات الأولى في بحر السكينة

نستعرض لكم أهم وأخر الاخبار في المقال التالي:
أحلام كبرى فجرتها «أبولو 11».. الخطوات الأولى في بحر السكينة من موقع الاتحاد، بتاريخ اليوم الخميس 1 أغسطس 2019 .

الاتحاد الاتحاد

ثقافة

1 أغسطس 2019 - 03:53 AM

لحظة إقلاع أبولو 11

لحظة إقلاع أبولو 11

صحيفة الاتحاد

الفاهم محمد

«إنها خطوة صغيرة لإنسان، قفزة عملاقة للبشرية»ّّ. كانت هذه هي العبارة الشهيرة التي ذكرها لويس أمستروتغ رائد الفضاء الأميركي في رحلة أبولو 11 وهو يضع قدميه لأول مرة في تاريخ الإنسانية فوق القمر، وهي الرحلة التي أقلته رفقة صديقيه الآخرين مايكل كولينز وبوز ألدرين. كان الحدث عظيما، شيء غير مسبوق تابعته كل شعوب الأرض. بدأ الإعداد لهذه المغامرة منذ 1961 ولكنها لم تبلغ هدفها إلا سنة 1969.
خلال هذه المرحلة كان السباق على أشده في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وكان هذا الأخير تمكن من تحقيق سبق واضح مقارنة مع منافسه، فقد سبق له أن أرسل رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين، كي يتم دورته حول الأرض سنة 1968. ما حدا بالرئيس الأميركي السابق جون كيندي أن يطلق وعده الشهير:«أومن بأن على هذه الأمة إلزام نفسها بتحقيق هدف إنزال أول إنسان على سطح القمر، وإعادته بسلام إلى الأرض» وبالفعل تعبأت أميركا بكل مهندسيها وعلمائها وتقنييها، من أجل تحقيق هذا الهدف. لم يكن الأمر سهلا بتاتا، تجارب كثيرة أخفقت، العديد من رواد الفضاء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لذلك، لكن الجهود كللت في نهاية المطاف بالنجاح.
لقد مر لحد الآن نصف قرن على هذا الحدث، ولكن رغم التقدم التكنولوجي الذي حققناه والخبرة التي راكمناها في مجال الرحلات الفضائية خلال هذه المدة، إلا أن ما يثير الاستغراب أننا لم نشاهد إنسانا آخر ينزل فوق القمر بعد. فهل فقد القمر سحره وجاذبيته، ولم يعد موضع اهتمام برامج غزو الفضاء؟

شكوك وتأكيدات
لكي نفهم هذا الأمر علينا أن نضعه في سياقه التاريخي. لقد جعلت الحرب الباردة بين المعسكرين حدث النزول فوق القمر مسألة وطنية في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تم تجييش أزيد من أربع مائة ألف موظف للاشتغال في البرنامج، بما يتطلبه ذلك من ميزانية هائلة تجاوزت 150 مليار دولار. كل هذا من أجل تحقيق هدف واحد وهو فخر السبق والريادة أمام المنافس السوفياتي. لم تعد أهداف غزو الفضاء اليوم محكومة بما هو إيديولوجي، بل بما هو علمي لذلك تمنح لـ ناسا ميزانية محدودة طبقا لهذه لأغراض. كما أنه مع التطور التكنولوجي، لم تعد الحاجة لنزول الإنسان مباشرة فوق سطح القمر، بل نحن نكتفي اليوم فقط بروبوطات تنجز كافة المهام المطلوبة منها.
إننا نستبعد هنا التفسيرات الشاذة التي قدمت حول هذا الأمر، من قبيل أن رواد الفضاء في رحلة أبولو 11 وجدوا أن القمر مأهول بكائنات فضائية تقيم محطاتها في الجانب المظلم منه، وأنهم طلبوا من الزوار الجدد عدم العودة إليه. أو من قبيل أيضا أن الرحلة كانت مجرد خدعة أمريكية تم حبكها وإخراجها من طرف المخرج السينمائي ستانلي كوبريك في المنطقة المحظورة 51. فرغم الانتشار الواسع الذي عرفه هذا الطرح التشكيكي، إلا أن الأجهزة واللوحات المعدنية التي تركتها الرحلة ما زالت قابعة هناك. هذا إضافة إلى الأتربة والحجارة القمرية التي حملوها معهم، والتي تبلغ نحو 380 كيلوجراما، حيث تم توزيعها على العديد من المختبرات العالمية كل هذا كافٍ بالرد على هذه الشكوك. بل أكثر من هذا تم تقديم أدلة وملاحظات تجريبية حاسمة، حول صحة نزول الإنسان فوق القمر. كان ذلك سنة 2009 عندما قام مستكشف القمر المداري LRO (1) التابع لوكالة الفضاء الأميركية، بإجراء مسح شامل لأرض القمر وقام بإرسال صور واضحة، تبين ما تركته رحلة أبولو11 في بحر السكينة (2) من معدات. كما تبين آثار أقدامهم ما تزال مطبوعة فوق الغبار القمري. لذلك من يقول اليوم بأن الإنسان لم ينزل فوق القمر، شبيه بمن يدافع على أن الأرض مسطحة وليست كروية الشكل.
صحيح أن الرحلة كانت صعبة جدا، بل وتبدو مستحيلة خصوصا بالنظر للتطور العلمي والتقني في ذلك الوقت. يقال في هذا الصدد إن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، طلب من كاتب خطاباته بإعداد مسبق لخطاب التعزية، كي يلقيه في حال ما إذا تقطعت السبل برواد الفضاء وفشلوا في العودة إلى الأرض. علينا أن نعلم أن الاهتمام بالقمر لم يتوقف عند هذه الرحلة، إذ هناك رحلات أخرى أعقبت ذلك أهمها أبولو 13 التي فشل روادها الثلاث في النزول فوق القمر ونجوا من الموت بأعجوبة. لقد استمر برنامج أبولو إلى غاية أبولو 17 حيث استطاع العديد من رواد الفضاء أن ينزلوا فوق القمر وأن يسيروا فوقه بلغ عددهم لحد الآن اثني عشر رجلاً.

استعمار القمر
ومع ذلك لا يمكننا القول، إن القمر فقد سحره تماماً، بل قواعد اللعبة هي التي تغيرت، سنعود من جديد إليه، ولكن ليس من أجل زيارته ونصب أعلامنا فيه، بل من أجل إنشاء قواعد دائمة والبقاء هناك. هذا هو ما أعطى الرئيس الحالي دونالد ترامب موافقته عليه مصرحا:«هذه المرة لن يقتصر الأمر على رفع علمنا وترك بصماتنا... سنقيم قاعدة لإرسال رحلة إلى المريخ وربما إلى ما هو أبعد من ذلك». نفس هذا الأمر أكده أيضا جيم بريدنشتاين المدير الجديد لـ «ناسا» حيث صرح للصحافة: «ينبغي العودة إلى القمر وينبغي البقاء فيه، وبالخصوص ينبغي الإسراع في سير الأمور». العديد من الشركات ستساهم في تحقيق هذا الإنجاز إلى جانب المؤسسات الرسمية المعروفة. الطموحات تتجه نحو بناء محطة مدارية مأهولة في غضون عقد من الزمن، ما بين 2020 و2030. إن الجديد اليوم والذي يبعث الأمل في برامج غزو الفضاء، هو أن هذا المجال لم يعد حكرا على الدول ووكالات الفضاء الرسمية مثل وكالة الفضاء الأميركية/‏‏‏‏ناسا. أو وكالة الفضاء الأوروبية/‏‏‏‏ الإسا ESA لأن هناك فاعلين جدد على الساحة، هم هؤلاء المليارديرات الذين يملكون شركات خاصة، تولي اهتماما كبيرا بمجال الفضاء مثل شركة سبيس إكس لإلون موسك، وبلو أوريجين لجيف بيزوس، وكذلك شركة مون إكسبريس التي تعود ملكيتها إلى بعض رجال الأعمال في وادي السيليكون.
هناك أيضا اهتمامات من دول أخرى بالقمر مثل الهند التي سترسل شاندرايان 2 وهي تمثل ثاني مهمة استكشاف هندية للقمر. ثم الصين مع المركبة تشانغ 5 المزمع نزولها على القمر في متم هذه السن. هذا بعد أن نزل تشانغ 4 في الجهة المظلمة من القمر. إن الهدف الأساسي الذي تضعه كل هذه الشركات نصب أعينها هو الاستغلال الاقتصادي للقمر، عبر البحث في الثروات المعدنية التي يتوفر عليها، وعلى رأسها الهيدروجين السائل والسيلكون والحديد والهيليوم 3 وغيرها من المعادن. ولتحقيق هذا الهدف لا بد من بناء قواعد دائمة هناك ومأهولة بالبشر. في هذا السياق يأتي مشروع:«استكشاف القمر إلى غاية المريخ Explore Moon To Mars» الذي وضعته ناسا، وهو المشروع الذي تخلت عنه إدارة أوباما ثم أعيد إحياؤه في الإدارة الحالية، حيث يقتضي المشروع بناء مخفر قمري دائم، به أربعة أشخاص إلى حدود 2024

باتجاه النجوم
أقمار أخرى تلوح في الأفق على رأسها أقمار زحل أونسلاد وتيتان، والأقمار الجاليلية للمشتري جاليميد وكاليبستو وأوروب. فهي كلها أقمار مثيرة وواعدة، سواء بالعثور عليها على المياه السائلة أو ربما أشكال معينة من الحياة. هكذا يبدو أن القمر ليس سوى المحطة الأولى لاستكشاف الكون.
إن رحلة الإنسان في هذه الحياة قد انطلقت من الكهوف، عندما كان يشرأب برأسه خائفا من الوحوش الكواسر التي تتربص به في الغابة. وها هو الآن يتطلع نحو النجوم، لكنه غير خائف بتاتا من الأخطار الجسيمة التي يمكن أن تهدده بها الظواهر الكونية. لقد أصبح متسلحاً بالمعرفة والعلم والبحث وحب الحقيقة متجاوزا بذلك الأساطير والخرافات المنسوجة حول الفضاء الخارجي. يرى الكثير من ذوي الرؤى المحدودة أن الاهتمام بالفضاء وصرف الملايين من الدولارات عليه، ليس سوى رفاهية وكماليات زائدة، تبحث من خلالها الأمم عن العظمة والمجد. والحق أن هذا الأمر إذا كان صحيحا فيما مضى، فهو بعيد عن الصواب اليوم. كانت السياسة هي التي ترسم الاستراتيجيات الأساسية لبرامج غزو الفضاء، أما الآن فغزو الفضاء محكوم بغاية أساسية ذات طابع علمي وتجاري. لذلك يراهن الإنسان على أن يتمكن فعلا من تحقيق هذه القفزة الحضارية الكبرى بعيدا نحو كواكب أخرى. هكذا إذا كان مستقبلنا القريب فوق الأرض، فإن مستقبلنا البعيد هو بالتأكيد بين النجوم.
بعض هذه الآراء المشككة في جدوى برامج غزو الفضاء تصدر أحيانا ويا للمفارقة ! عن العلماء أنفسهم، مثل الرأي الذي يدافع عنه إتيان كلاين، حيث يرى أن المريخ لن يصبح أبدا مثل الأرض، وأننا لن نتمكن من ممارسة حياة طبيعية فوقه كأن «نجلس في الشرفة وتناول كوب قهوة، بينما نحن نتأمل مشهد غروب الشمس». وذلك بسبب كون المريخ يتوفر على مناخ قاس مليء بالأشعة الكونية القاتلة. وإذن في نظر هذه الطروحات برامج غزو الفضاء لا تفيد في شيء، ما دام قدر الإنسان محسوماً هنا فوق الأرض.
في مقابل هذا نجد طرحاً آخر لحسن الحظ هو الأكثر رواجاً يؤكد أن مستقبل الإنسان يوجد في الفضاء الخارجي، سواء من أجل جلب المعادن والمواد الضرورية لاستمرارية الحضارة فوق الأرض، أو من أجل السكن فيه في المستقبل البعيد، بعد أن يكون نجمنا الذي يمدنا بالدفء قد انطفأ. وأكثر من هذا من أجل تطوير البحث العلمي، وإدراك طبيعة الحياة وحقيقة موقعنا في الكون. وكما قال الأب الروحي لعلم الفضاء الروسي قسطنطين تسيولكوفسكي في قولة شهيرة طالما استشهد بها:«الأرض هي مهد البشرية، ولكن البشرية لا تستطيع أن تظل في المهد إلى الأبد». صحيح أن قفزة الإنسانية باتجاه الفضاء الخارجي ستكون بالغة الصعوبة، غير التطورات التكنولوجية تعد بالكثير من الآمال، منها على سبيل المثال اعتماد أنظمة بيئية مغلقة كخطوات أولى. إن الحياة ثمينة في الكون ومهمتنا هي الحفاظ عليها وضمان انتشارها. إننا نقف على الأرض لكننا منذ فجر البشرية ونحن نتطلع للسماء. يقول أوجين شيرمان 1934 -2017 آخر رجل مشى على القمر:«كنت أعرف أنني تغيرت خلال الأيام الثلاثة، وأنني لم أعد أنتمي فقط إلى الأرض. للأبد أنتمي إلى الكون».
..........................................الهوامش:
1 LRO هو اختصار لـ Lunar Reconnaissance Orbiter عبارة عن مسبار أطلقته الناسا سنة 2009 كي يقوم بمسح وتصوير البيئة الجغرافية للقمر قصد تحديد مواقع مناسبة لبناء محطات قمرية دائمة، هذا إضافة إلى مهمة استكشاف وجود الماء فوق القمر.
2 بحر السكينة هو اصطلاح يطلق على المنخفض الواسع للقمر والذي يوجد في الجهة المقابلة للأرض.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق المغرب: توقيف 27 شخصا في إحباط عملية هجرة غير شرعية
التالى انعقاد جلسة "الاستثمار في التكنولوجيا" لمناقشة التحول الرقمي