تزايدت التساؤلات حول أرض الصومال، التي دعمتها إسرائيل مؤخرًا، مع الحديث عن أدوار إقليمية ودولية في القرن الأفريقي، لا سيما أن فهم الدوافع الحقيقية يتطلّب تجاوز الروايات الإعلامية السطحية والنظر إلى التحولات الكبرى في موازين القوى.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن ما يجري في المنطقة يُقدَّم إلى الرأي العام ضمن عناوين سياسية وأمنية مبسطة، في حين تخفي الخلفية حسابات أعمق ترتبط بالممرات البحرية والنفوذ الدولي.
وأشار الحجي إلى أن أرض الصومال تُطرح دائمًا في سياق ربطها باليمن أو بخليج عدن، رغم أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بالجغرافيا، بل بدور هذه المنطقة في معادلة السيطرة على أحد أهم مفاتيح التجارة والطاقة عالميًا.
ولفت إلى أن النقاش الدائر يغفل سؤال المصلحة، إذ إن الوجود الأميركي قائم أصلًا في البحر الأحمر، ما يفتح الباب للتساؤل: هل التحرك الإسرائيلي امتداد للهيمنة الأميركية أم محاولة مستقلة لإعادة تعريف الدور الإسرائيلي؟
جاءت تصريحات أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، قدّمها على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "اليمن وأرض الصومال وترمب وأسواق النفط والغاز والكهرباء"، إذ تناول أرض الصومال ضمن سياق أوسع.
هل الوجود في أرض الصومال ضرورة عسكرية؟
أوضح أنس الحجي أن هناك معلومات كثيرة غير دقيقة جرى تداولها مؤخرًا حول الصومال، مؤكدًا أن المسألة لا تتعلق فقط بالحوثيين أو باليمن، بل بسؤال أكبر عن مصلحة إسرائيل في هذا الموقع الجغرافي على وجه التحديد.
وأشار إلى أن أرض الصومال ليست ملفًا طارئًا، إذ إن هناك مشروع قانون في الكونغرس الأميركي، طُرح منذ شهر يونيو/حزيران الماضي 2025 يدعو إلى الاعتراف بها، ما يدل على أن النقاش سابق للتطورات الأخيرة في المنطقة.

ويستبعد أنس الحجي أن تكون السيطرة البرية خيارًا عسكريًا مثاليًا في هذه المنطقة، موضحًا أن القطع البحرية تمنح مرونة أكبر للدول الكبرى، وقدرة على التحرك السريع، مقارنة بوجود ثابت قد يقيّد الخيارات العملياتية.
وتساءل: إذا كانت الولايات المتحدة مسيطرة بالفعل على البحر الأحمر، فلماذا تحتاج إسرائيل إلى موطئ قدم في أرض الصومال؟ هذا السؤال، بحسب الحجي، يكشف عن أن الهدف يتجاوز مجرد التنسيق العسكري التقليدي.
وأكد أن التفسير الشائع حول مكافحة تهديدات محلية لا يصمد أمام التحليل الرصين، لأن ميزان القوى في المنطقة محسوم أصلًا لصالح القوى الكبرى، ما يعني أن الدافع الحقيقي لا بد أن يكون ذا طابع إستراتيجي أوسع.
ويرى خبير اقتصادات الطاقة أن أرض الصومال تُستغل بوصفها ورقة ضمن لعبة نفوذ أكبر، تسعى فيها إسرائيل إلى تثبيت حضورها في موقع حساس يربط بين خليج عدن والبحر الأحمر، دون أن تكون مجرد ذراع تنفيذية لواشنطن.
تراجع أهمية إسرائيل ومحاولة استعادة الدور
طرح أنس الحجي نظرية مدعومة بشواهد، مفادها أن النظام العالمي يشهد تحولًا تدريجيًا لصالح دول الخليج على حساب إسرائيل، منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة الأميركية.
وقال إنه -بالتزامن مع اعتلاء ترمب مقعد الرئاسة- تتصاعد أصوات داخل التيار الجمهوري تنتقد الدعم غير المشروط من جانب الولايات المتحدة لتل أبيب، وهي النظرة التي تبدلت بالنسبة إلى الخليج، الذي يتم التوجه نحوه بصورة أكبر.
وضمن هذا السياق، وفق الحجي، تصبح أرض الصومال بالنسبة إلى إسرائيل فرصة لإعادة تقديم نفسها إلى الولايات المتحدة بوصفها لاعبًا لا غنى عنه في تأمين الممرات الحيوية، بدل النظر إليها بوصفها عبئًا ماليًا أو سياسيًا متزايدًا.

ويشرح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن الموقع الجغرافي لإسرائيل بحد ذاته لا يمنحها ميزة إستراتيجية مقارنة بدول أخرى، ما يدفعها إلى البحث عن نقاط نفوذ خارج حدودها التقليدية لتعويض هذا القصور الجغرافي.
وأكد أن أرض الصومال قد تُستثمر لإقناع واشنطن بأن إسرائيل قادرة على القيام بدور "النائب" الإقليمي، وهو الأمر الذي يقلّل من حاجة الولايات المتحدة إلى الانتشار العسكري المباشر والمكلف، في المنطقة التي تُعد شديدة الحساسية.
ويرجح أنس الحجي أنه إذا صحت هذه القراءة، فإن النظام العالمي قد يعارض أي خطوات رسمية للاعتراف أو إقامة قواعد عسكرية، لأن ذلك قد يعمّق التوتر بدلًا من أن يحقق استقرارًا طويل الأمد.
وخلص الحجي إلى أن دعم إسرائيل لمثل هذه التحركات في أرض الصومال لا ينفصل عن محاولتها الحفاظ على أهميتها في نظام دولي متغير، إذ تُقاس القيمة اليوم بالقدرة على التحكم في الممرات الحيوية لا بالشعارات السياسية فقط.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر:


0 تعليق