يعمل غواصو أرامكو تحت سطح البحر في صمت مطبق بعيدًا عن الأضواء، وسط بيئة قاسية لا ترحم، للحفاظ على سلامة -واستدامة- واحدة من أكبر شبكات أنابيب النفط والغاز في السعودية.
لا يقتصر دور هؤلاء الغواصين على المهام الفنية فحسب، بل يمتد ليكونوا خط الدفاع الأول عن أمن الطاقة، إذ يُناط بهم فحص وصيانة الأصول البحرية التي تشكّل شريانًا رئيسًا لإمدادات النفط والغاز محليًا وعالميًا، إذ إنّ تعرُّض أيّ جزء من هذه المنظومة لعطل غير مكتشف، قد يؤثّر في إمدادات الأسواق وسلاسل التوريد.
حسب بيانات حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يشرف غوّاصو أرامكو سنويًا على فحص نحو 650 كيلومترًا من الأنابيب البحرية، إضافة إلى 72 منصة بحرية، ضمن برامج صيانة دقيقة تعتمد أعلى المعايير العالمية في السلامة والكفاءة التشغيلية.
ويُعدّ هذا الرقم مؤشرًا على ضخامة وتعقيد البنية التحتية البحرية التي تديرها أرامكو السعودية، إذ يتطلب العمل في هذا المجال تدريبًا طويلًا وشهادات دولية معتمدة، فضلًا عن جاهزية بدنية ونفسية استثنائية، للتعامل مع تحديات مثل انعدام الرؤية، والتغيرات المفاجئة في التيارات البحرية، ومخاطر الضغط، والعمل في بيئة لا تسمح بأيّ هامش للخطأ.
في هذا التقرير، ترصد منصة الطاقة 4 قصص إنسانية ومهنية لغوّاصي أرامكو، تكشف أسرار العمل في عالم الخطوط البحرية، وتُبرز كيف تتحول المهارة والخبرة إلى عنصر حاسم بحماية أنابيب النفط والغاز في السعودية.

أيمن بوحليقة.. من حلم الطفولة إلى أعماق المسؤولية
يُعدّ أيمن بوحليقة علامة فارقة في تاريخ الغوص التجاري السعودي، بصفته أول غواص سعودي ينضم إلى أرامكو.
ونشأ بوحليقة في مدينة الخبر، إذ بدأ شغفه بالمياه منذ الصغر، قبل أن يتحول إلى طموح مهني واجه في بدايته مخاوف عائلية مشروعة بسبب طبيعة المهنة عالية المخاطر.
التحق بوحليقة بأرامكو عام 2001 بعد إكمال تدريبات مكثفة وحصوله على شهادات دولية في الغوص التجاري، وبدأ عمله غواصَ بناء، قبل أن يتطور دوره ليصبح غواص تفتيش تحت سطح البحر، أحد أكثر التخصصات حساسية بمنظومة أنابيب النفط والغاز في السعودية.
تبدأ يوميات بوحليقة بإحاطة فنية شاملة قبل الغوص، تتضمن خطة العمل وقوانين السلامة ومهام اليوم، ثم يرتدي بدلة الغوص وخوذة تزن نحو 15 كيلوغرامًا، مزودة بكاميرات اتصال مباشر مع السطح، إضافة إلى "الحبل السُرّي" الذي يمدّ الغواص بالهواء والاتصال وخط الإنقاذ.
ويعمل بوحليقة عادةً في أعماق تتراوح بين 10 و50 مترًا، مستعمِلًا معدّات ثقيلة تحت الماء لإصلاح الأنابيب أو تجهيز مواقع منصات الحفر.
ويؤكد بوحليقة أن كل عملية غوص هي مخاطرة محسوبة، تستند إلى جداول إزالة الضغط المعتمدة من البحرية الأميركية لتفادي الإصابة بمرض تخفيف الضغط.
ويقول، إن التحدي النفسي لا يقل أهمية عن التحدي الجسدي، خاصةً خلال الغوص الليلي في ظلام دامس، مشيرًا إلى أن البعد عن العائلة يشكّل ضغطًا إضافيًا على الغواصين.

كريغ تشيشولم.. حارس الشبكة البحرية العملاقة
يمتلك كريغ تشيشولم خبرة تمتد لأكثر من 36 عامًا في مجال الغوص، ويشغل منصب رئيس وحدة الغوص الجوي في أرامكو، إذ يقود فرقًا متخصصة في فحص أنابيب النفط والغاز في السعودية وصيانتها.
يوضح تشيشولم أن ما يحدث تحت سطح البحر يفوق بكثير ما يراه الناس فوقه، فشبكة الأنابيب والمنشآت البحرية تمثّل العمود الفقري لتدفّق النفط والغاز.
ويشير إلى أن بعض هذه الخطوط يعود تاريخها إلى عقود، ما يستلزم صيانة دورية دقيقة للحفاظ على سلامتها التشغيلية.
وتنفّذ فرق الغوص سنويًا حملات استباقية لفحص 650 كيلومترًا من الأنابيب البحرية و72 منصة بحرية، إضافة إلى دعم مشروعات تركيب البنية التحتية الجديدة، بما يشمل ضبط محاذاة الأنابيب والوصلات السُرّية التي تنقل النفط والغاز والطاقة والبيانات.
ويؤكد تشيشولم أن الغواصين يخضعون لتدريب صارم وشهادات من جهات دولية، مثل الرابطة الدولية لمقاولي الأعمال البحرية، مع تدريب مستمر على السلامة والطب البحري.
ويقول: "خطوة واحدة خاطئة قد تكون كارثية، ولهذا نراقب كل تفصيل، من العمق إلى حالة الغواص النفسية".

مالكولم كوبين.. حياة داخل الضغط
يمثّل مالكولم كوبين الوجه الأكثر تعقيدًا في عالم الغوص، بصفته غواصًا تشبعيًا، وهو تخصص نادر يتطلب العيش داخل غرف مضغوطة تحت الماء لأوقات تصل إلى 28 يومًا.
يمتلك كوبين خبرة 28 عامًا في الغوص، منها 11 عامًا في أرامكو، ويعمل عادةً في أعماق تتراوح بين 30 و65 مترًا.
ويُشبَّه الغوص التشبعي بمهمة فضائية، إذ ينتقل الغواصون من غرف المعيشة المضغوطة إلى مواقع العمل عبر كبسولات خاصة، ولا يمكنهم العودة إلى السطح إلا بعد انتهاء المهمة بالكامل.
ويقول كوبين، إن فقدان الاتصال أو تعطُّل نظام التدفئة قد يكون مهددًا للحياة، مؤكدًا أن التحكم في الضغط والهدوء النفسي عنصران حاسمان.
ويضيف: "ملاذك الوحيد الآمن هو كبسولة الغوص، ولا يوجد خيار آخر إذا حدث خطأ".

سلطان الأحمدي.. التخطيط طوق النجاة
بدأ سلطان الأحمدي شغفه بالبحر خلال دراسته للعلوم البحرية، قبل أن يصبح غواصًا تجاريًا محترفًا بخبرة تتجاوز 23 عامًا، منها 10 أعوام في أرامكو، إذ يعمل في مجال الإنشاءات البحرية، أحد أكثر التخصصات تعقيدًا وخطورة.
يحمل الأحمدي شهادات دولية متعددة في التفتيش والطب والغوص، وأسهم في اكتشاف أعطال حرجة خلال حملات فحص، كان لها دور في منع اضطرابات محتملة في العمليات البحرية، كما يعمل مشغّلًا لجهاز SWIM-R، وهو روبوت طوّرته أرامكو لدعم عمليات الفحص في المياه الضحلة.
ويرى الأحمدي أن أهم أدواره يتمثل في تدريب الجيل الجديد من الغواصين السعوديين، مؤكدًا أن بناء الكفاءات الوطنية ركيزة أساسية لاستدامة قطاع الطاقة.

وتعكس قصص غواصي أرامكو الوجه الإنساني العميق لصناعة أنابيب النفط والغاز في السعودية، إذ تلتقي التكنولوجيا المتقدمة مع الشجاعة البشرية.
وبين الضغط والظلام والتيارات، يعمل غوّاصو أرامكو ليبقى تدفُّق الطاقة مستمرًا، مجسّدين أحد أكثر الأدوار خفاءً وتأثيرًا في منظومة الطاقة العالمية.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..


0 تعليق